نص القصة
مقدمة
قصة عيسى ابن مريم عليه السلام ليست قصة نبي عاديّة في تفاصيلها ولا في مكانتها.
إنها قصة مولود جاء إلى الدنيا من غير أب، وُلد من أم عفيفة اصطفاها الله على نساء العالمين، وتكلم في المهد، وأجرى الله على يديه آيات عظيمة، وأرسله إلى بني إسرائيل بالإنجيل والهدى، وبشّر برسول يأتي من بعده اسمه أحمد.
ثم اختلف الناس فيه اختلافًا شديدًا؛ فمنهم من آمن به نبيًا ورسولًا، ومنهم من كذبه، ثم غلا فيه آخرون حتى رفعوه فوق منزلته التي أنزله الله بها.
أما القرآن فجاء ليضع الحقيقة في موضعها بوضوح: عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والمسيح ابن مريم، وليس إلهًا ولا ابنًا لله.
قال تعالى:
﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾
[المائدة: 75]
كما أخبر القرآن أن الله رفع عيسى إليه، وأنه لم يُقتل ولم يُصلب، وأنه سيعود في آخر الزمان كما ثبت في السنة الصحيحة.
ولهذا فإن قصة عيسى عليه السلام تحتاج إلى قراءة النصوص الثابتة أولًا، بعيدًا عن الروايات الشعبية والتفاصيل التي أضيفت عبر القرون.
من هو سيدنا عيسى عليه السلام؟
عيسى عليه السلام هو المسيح عيسى ابن مريم، أحد أولي العزم من الرسل، ورسول من رسل الله إلى بني إسرائيل.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾
[النساء: 171]
وسماه الله المسيح، ونسبه إلى أمه مريم عليها السلام، فقال:
﴿الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾.
وقد ذكره القرآن في مواضع كثيرة، وبيّن نسبته ومهمته ومعجزاته ورفعه إلى السماء، ثم ذكرت السنة الصحيحة نزوله في آخر الزمان.
وعيسى عليه السلام من أعظم أنبياء الله مكانة، وقد أثنى الله عليه وعلى أمه، وجعله من المقربين في الدنيا والآخرة.
قال تعالى في بشارة الملائكة لمريم:
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾
[آل عمران: 45].
مريم عليها السلام: البداية المباركة لقصة عيسى
قبل أن تبدأ قصة عيسى عليه السلام، يروي القرآن قصة أمه مريم عليها السلام.
كانت مريم ابنة عمران، وقد نشأت في طاعة الله، واختارها الله واصطفاها.
قال سبحانه:
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾
[آل عمران: 42].
وقد تكفل زكريا عليه السلام برعايتها، وكان كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقًا.
قال تعالى:
﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾
[آل عمران: 37].
وهكذا كانت مريم عليها السلام امرأة اصطفاها الله للطهارة والعبادة، حتى جاءت اللحظة التي بدأت فيها أعظم أحداث حياتها.
بشارة مريم بولادة عيسى عليه السلام
ابتعدت مريم عن أهلها إلى مكان شرقي، واتخذت من دونهم حجابًا.
وهناك أرسل الله إليها روحه، فتمثل لها بشرًا سويًا.
قالت مريم، وهي تظن أنه رجل أمامها:
﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾.
فأجابها:
﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾
[مريم: 18-19].
كان الموقف فوق المعتاد.
امرأة عفيفة لم يمسسها بشر، ثم تأتيها البشارة بولد.
قالت:
﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾.
فجاءها الجواب:
﴿قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾
[مريم: 21].
وهكذا شاء الله أن يكون ميلاد عيسى عليه السلام نفسه آية من آيات قدرته.
ولادة عيسى عليه السلام من غير أب
حملت مريم بعيسى عليه السلام، ثم ابتعدت عن الناس.
قال تعالى:
﴿فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾
[مريم: 22].
ثم جاءها المخاض، وألجأها الألم إلى جذع نخلة.
وفي تلك اللحظة، اشتد عليها الخوف والحزن، وقالت:
﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾.
فجاءها النداء:
﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾
[مريم: 24-26].
ثم أمرها الله أن تصمت عن الكلام إذا قابلت قومها، وتخبرهم أنها نذرت للرحمن صومًا عن الكلام.
وكان عليها أن تعود إلى قومها تحمل طفلها.
وهنا بدأت واحدة من أصعب لحظات القصة.
عودة مريم إلى قومها وهي تحمل عيسى
عندما عادت مريم إلى قومها تحمل طفلها، فوجئوا بما رأوا.
قالوا لها:
﴿يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾.
ثم ذكروها بصلاح والديها:
﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾
[مريم: 27-28].
لم تدخل مريم في جدال معهم، بل أشارت إلى الطفل.
فقالوا:
﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾.
وهنا وقعت المعجزة التي جعلت مولد عيسى مختلفًا منذ اللحظة الأولى.
عيسى عليه السلام يتكلم في المهد
تكلم عيسى عليه السلام وهو لا يزال في المهد.
قال:
﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾
[مريم: 30-33].
وكان أول ما أعلن عنه عيسى عليه السلام:
﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾.
وهذه الجملة وحدها تحمل جانبًا أساسيًا من حقيقة عيسى عليه السلام في القرآن.
فهو عبد لله، ونبي، ورسول.
ولم يبدأ حديثه بإثبات ألوهيته، بل بدأ بإثبات عبوديته لله.
لماذا كانت ولادة عيسى آية عظيمة؟
لم يكن خلق عيسى عليه السلام أمرًا مستحيلًا على قدرة الله.
قال سبحانه:
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾
[آل عمران: 59].
فالذي خلق آدم من غير أب ولا أم قادر على أن يخلق عيسى من أم بلا أب.
ولهذا جاء القرآن ليصحح التصور حول طبيعة عيسى عليه السلام.
المعجزة لا تعني الألوهية.
وكون الله خلق عبدًا بطريقة خارقة للعادة لا يجعل ذلك العبد إلهًا.
بل المعجزة دليل على قدرة الله وعلى صدق رسوله.
رسالة عيسى عليه السلام إلى بني إسرائيل
كبر عيسى عليه السلام وأرسله الله رسولًا إلى بني إسرائيل.
قال تعالى:
﴿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾
[آل عمران: 49].
وكانت رسالته امتدادًا لرسالات الأنبياء قبله.
قال عيسى:
﴿وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾
[آل عمران: 50].
ثم أعلن أساس دعوته بوضوح:
﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾
[آل عمران: 51].
وهذه هي الرسالة التي جاء بها عيسى عليه السلام:
عبادة الله وحده.
الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى
لم يكن عيسى عليه السلام نبيًا بلا كتاب.
قال تعالى:
﴿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾
[المائدة: 46].
فالإنجيل في الاعتقاد الإسلامي كتاب أنزله الله على عيسى عليه السلام، وكان فيه هدى ونور.
والقرآن يثبت أصل الوحي الذي أنزله الله على عيسى، لكنه لا يجعل كل ما نُسب إلى عيسى في الكتب المتداولة بعده مساويًا لذلك الوحي المنزل.
وهنا يجب التفريق بين الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى وبين الأناجيل الموجودة اليوم والمنسوبة إلى عدد من الكتّاب؛ فالمقالة الإسلامية عن عيسى عليه السلام لا تبني أحداث القصة على تلك الكتب، وإنما على القرآن والسنة الصحيحة.
معجزات عيسى عليه السلام
أيد الله عيسى عليه السلام بمعجزات عظيمة.
قال تعالى على لسانه:
﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
ثم قال:
﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
ثم أخبرهم أنه يعلم بعض ما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم.
وختم ذلك بقوله:
﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾
[آل عمران: 49].
والقرآن يكرر عبارة مهمة في هذه المعجزات:
﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
فإحياء الموتى وشفاء المرضى وخلق هيئة الطير ليست قدرات مستقلة لعيسى عليه السلام، وإنما معجزات أجراها الله على يديه.
قال سبحانه في موضع آخر:
﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ... وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي﴾
[المائدة: 110].
عيسى عليه السلام وأتباعه
عندما دعا عيسى عليه السلام قومه إلى الحق، ظهر من بني إسرائيل من آمن به.
قال تعالى:
﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾
[آل عمران: 52].
كان هؤلاء هم الحواريين، الذين نصروا عيسى عليه السلام وآمنوا بالله.
وقالوا:
﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾
[آل عمران: 53].
مائدة من السماء
ومن الأحداث التي ذكرها القرآن في قصة عيسى عليه السلام طلب الحواريين آية أخرى.
قالوا:
﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾
[المائدة: 112].
فدعا عيسى ربه، وطلب أن تكون المائدة عيدًا لأولهم وآخرهم وآية من الله.
قال تعالى:
﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾
[المائدة: 115].
ثم حذرهم من الكفر بعد هذه الآية.
وهذه القصة هي التي سميت بها سورة المائدة.
ولا حاجة إلى إضافة أسماء الأطعمة أو تفاصيل الأشخاص أو مكان نزول المائدة ما لم يثبت ذلك بدليل صحيح؛ فالقرآن ذكر أصل الحدث والعبرة منه بوضوح.
موقف بعض بني إسرائيل من عيسى عليه السلام
جاء عيسى عليه السلام بالبينات، وأظهر الله على يديه المعجزات، ودعا إلى عبادة الله وحده.
لكن فريقًا من بني إسرائيل كذبوه وعاندوه.
قال الله:
﴿فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾
[المائدة: 110].
ومع ذلك لم تكن نهاية قصة عيسى كما يروى في كثير من القصص المتداولة.
فالقرآن يقرر أن أعداءه لم يقتلوه ولم يصلبوه.
هل قُتل عيسى عليه السلام أو صُلب؟
هذه من أهم القضايا التي حسمها القرآن.
قال تعالى:
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾
[النساء: 157].
ثم قال:
﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾
[النساء: 157-158].
إذن الحقيقة القرآنية واضحة:
لم يقتلوا عيسى عليه السلام، ولم يصلبوه، بل رفعه الله إليه.
أما تفاصيل كيفية وقوع الأمر على الذين أرادوا قتله، ومن الذي شُبّه لهم، فليس في القرآن نص صريح يحدد شخصًا بعينه.
ولهذا لا يصح أن نجزم باسم شخص ونبني عليه القصة، لأن القرآن نفسه قال:
﴿وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾.
والأدق أن نقف عند الحد الذي وقفت عنده النصوص الصحيحة.
هل مات عيسى عليه السلام؟
القرآن يقرر أن عيسى عليه السلام لم يمت مقتولًا ولم يصلب.
قال الله:
﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾.
وتأتي السنة الصحيحة لتوضح أن عيسى عليه السلام سيعود إلى الأرض في آخر الزمان، مما يدل على أن قصة حياته لم تنتهِ بالموت الذي يذكره الناس عنه.
أما الآية:
﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾
[آل عمران: 55]
فقد ذكر المفسرون في معنى متوفيك أقوالًا متعددة، وليس المقصود منها إثبات أن عيسى مات قبل رفعه بحيث يخالف ذلك الأحاديث الصحيحة في نزوله آخر الزمان.
ولهذا لا يصح بناء عقيدة كاملة على تفسير مجتزأ للآية مع ترك بقية النصوص.
رفع عيسى عليه السلام إلى السماء
بعد أن أراد أعداء عيسى عليه السلام قتله، حفظه الله منهم ورفعه إليه.
قال سبحانه:
﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾
[النساء: 158].
فالرفع ثابت بنص القرآن.
ولا يحتاج هذا الحدث إلى القصص الإضافية التي تناقلتها بعض الكتب حول تفاصيل لم يثبت بها نص صحيح.
المهم أن عيسى عليه السلام لم ينتهِ مقتولًا على أيدي أعدائه، بل نجاه الله ورفعه إليه.
عيسى عليه السلام ليس إلهًا ولا ابنًا لله
جاء القرآن واضحًا في تصحيح الاعتقاد في عيسى عليه السلام.
قال تعالى:
﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾.
ثم نقل قول المسيح نفسه:
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾
[المائدة: 72].
وقال سبحانه:
﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾
[المائدة: 73].
ثم قال:
﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ﴾
[المائدة: 75].
وهذا من أهم ما يميز الرواية القرآنية لقصة عيسى عن التصورات التي ظهرت حوله لاحقًا.
الإسلام لا ينتقص من عيسى عليه السلام، بل يضعه في المكانة التي وضعه الله فيها: رسول كريم، ونبي عظيم، ومسيح، وكلمة من الله، وآية للناس، وعبد لله.
لماذا سُمّي عيسى بالمسيح؟
سمّاه الله في القرآن:
﴿الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾.
أما سبب تسمية عيسى بالمسيح، فقد ذكر المفسرون عدة أقوال في اشتقاق الاسم ومعناه.
ومن أشهر ما ذكره أهل التفسير أنه سُمّي بذلك لأسباب تتعلق بالمسح، وقيل غير ذلك.
لكن لا يوجد داعٍ إلى تحويل هذه الأقوال التفسيرية إلى حقيقة قطعية ما دام القرآن قد أثبت الاسم نفسه ولم يحتج إلى بيان سبب التسمية.
عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله
من أقوى النصوص في قصة عيسى عليه السلام قوله منذ المهد:
﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾.
ثم قال:
﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾.
وهذا يوضح مكانته بأجمل صورة.
فهو عبد لله.
وهو نبي.
وهو رسول.
وقد أرسله الله إلى بني إسرائيل.
وهذه الصفات لا تنقص من مكانته، بل هي عين التكريم؛ فالنبوة اصطفاء، والرسالة منزلة عظيمة.
عيسى عليه السلام بشّر بالنبي محمد ﷺ
لم تكن رسالة عيسى منفصلة عن سلسلة النبوات.
قال الله تعالى:
﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾
[الصف: 6].
فكان عيسى عليه السلام يبشر برسول يأتي بعده اسمه أحمد.
ثم جاء محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين.
وبذلك تتصل رسالة عيسى برسالة محمد ﷺ في أصلها العظيم: عبادة الله وحده واتباع رسله.
عيسى عليه السلام في القرآن والإنجيل
يجب التفريق هنا بين أمرين:
الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى عليه السلام، وهو وحي من الله.
والكتب التي تُعرف اليوم بالأناجيل، والتي لا يقرر الإسلام أنها النص المنزل نفسه الذي أوتيه عيسى عليه السلام.
فالقرآن يثبت أن الله أنزل الإنجيل على عيسى:
﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾.
وفي الوقت نفسه يجعل القرآن نفسه هو الكتاب المهيمن على ما سبقه:
﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ... وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾
[المائدة: 48].
ولهذا، عندما توجد رواية شائعة عن عيسى لا يثبتها القرآن ولا السنة الصحيحة، فلا يصح إدخالها في القصة باعتبارها حقيقة دينية ثابتة.
هل كان لعيسى أبناء أو زوجة؟
لا يثبت في القرآن ولا في السنة الصحيحة أن لعيسى عليه السلام زوجة أو أبناء.
وقد تظهر في بعض الكتب أو الروايات المتأخرة تفاصيل من هذا النوع، لكنها لا تستند إلى دليل صحيح يمكن الاعتماد عليه.
ولذلك لا تُذكر هذه التفاصيل باعتبارها من قصة عيسى الثابتة.
هل ذُكرت حياة عيسى اليومية بالتفصيل؟
لم يقدم القرآن سيرة زمنية مفصلة لكل يوم من حياة عيسى عليه السلام.
فلم يذكر مثلًا مكان كل رحلة، ولا أسماء جميع من لقيهم، ولا عدد السنوات التي عاشها قبل رفعه، ولا تفاصيل حياته اليومية.
وغياب هذه التفاصيل ليس نقصًا في القصة.
فالقرآن يذكر من حياة الأنبياء ما تتحقق به الهداية والعبرة، ولا يشترط أن يقدم سجلًا تاريخيًا تفصيليًا لكل مرحلة.
ولهذا فإن أي تفاصيل إضافية تحتاج إلى دليل، ولا يجوز ملء الفراغات بقصص مشهورة لم تثبت.
نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان
قصة عيسى عليه السلام لم تنتهِ برفعه إلى السماء.
فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه سينزل في آخر الزمان.
قال النبي ﷺ:
«والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا».
وهذا الحديث رواه البخاري.
ويذكر الحديث أنه ينزل حاكمًا بالعدل، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، وتكون له أحكام معروفة في آخر الزمان.
كما ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ رأى عيسى ابن مريم عليه السلام في رؤيا، ووصف هيئته.
وهذه الأحاديث الصحيحة تجعل نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان من الأمور الثابتة في السنة.
عيسى عليه السلام وقت ظهور الدجال
ترتبط عودة عيسى عليه السلام بأحداث عظيمة تقع في آخر الزمان، ومن أبرزها فتنة المسيح الدجال.
وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن عيسى عليه السلام ينزل في زمن فتنة الدجال، ويكون له دور في القضاء على هذه الفتنة.
وهذا يؤكد مرة أخرى أن عيسى عليه السلام لم تنتهِ قصته بالقتل أو الصلب كما يعتقد بعض الناس، بل إن له نزولًا في آخر الزمان.
عيسى عليه السلام ليس هو المسيح الدجال
يُطلق على عيسى عليه السلام اسم المسيح، ويُطلق على الدجال اسم المسيح الدجال.
لكن الفرق بينهما عظيم.
عيسى عليه السلام رسول الله، نبي كريم.
أما الدجال فهو أعظم فتنة تقع على الناس في آخر الزمان.
وقد حذر النبي ﷺ أمته منه تحذيرًا شديدًا.
ومن الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ وصف عيسى عليه السلام ووصف الدجال، وبيّن الفارق بينهما.
عودة عيسى عليه السلام علامة من علامات الساعة
قال الله تعالى:
﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾
[الزخرف: 61].
وقد فسر عدد من أهل التفسير هذه الآية بأن عيسى عليه السلام علامة للساعة، وهو معنى تؤيده الأحاديث الصحيحة في نزوله آخر الزمان.
ماذا يحدث بعد نزول عيسى عليه السلام؟
ثبت في السنة الصحيحة أنه ينزل في آخر الزمان، ويحكم بالعدل، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، وتكثر الأموال حتى لا يقبلها أحد.
ولا ينبغي إضافة تفاصيل لم تثبت أو الخوض في أسماء الأماكن والأحداث الجزئية إلا بما جاء في الأحاديث الصحيحة.
فالغاية من هذه المرحلة هي إظهار الحق وإقامة العدل والقضاء على فتنة الدجال.
هل سيأتي عيسى بدين جديد؟
لا.
عيسى عليه السلام نبي من أنبياء الله، ومحمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين.
وعند نزوله في آخر الزمان لا يأتي بشريعة جديدة، بل يحكم بما جاء به النبي محمد ﷺ.
وقد ثبت في صحيح البخاري حديث نزوله وقيامه بالعدل.
ولهذا فإن نزول عيسى ليس عودة لتأسيس رسالة جديدة، وإنما هو حدث من أحداث آخر الزمان.
موقف القرآن من الذين غلوا في عيسى عليه السلام
أعظم ما تعرض له عيسى عليه السلام بعد رفعه هو الغلو في شخصه.
فالقرآن يقرر أن عيسى عبد ورسول.
قال تعالى:
﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ﴾
[النساء: 172].
ثم قال:
﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾.
فعبودية الله ليست عيبًا ولا نقصًا، وإنما هي أشرف مقام يصل إليه العبد.
عيسى عليه السلام يوم القيامة
من المشاهد العظيمة التي ذكرها القرآن أن الله يسأل عيسى يوم القيامة عن الذين اتخذوه وأمه إلهين من دون الله.
قال سبحانه:
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾.
فيجيب عيسى عليه السلام:
﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾.
ثم يقول:
﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾
[المائدة: 116-117].
ثم يتبرأ من علمه بما فعل الناس بعده:
﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾.
وهذا المشهد يوضح بجلاء أن عيسى عليه السلام لم يدعُ قومه إلى عبادته، وإنما دعاهم إلى عبادة الله وحده.
حقيقة عيسى عليه السلام في القرآن
بعد جمع الآيات التي تحدثت عنه، تظهر شخصية عيسى عليه السلام في القرآن بصورة واضحة:
هو المسيح.
وهو ابن مريم.
وهو عبد الله.
وهو نبي.
وهو رسول الله.
وهو كلمة ألقاها الله إلى مريم.
وهو روح منه.
وُلد من غير أب.
وتكلم في المهد.
وأيده الله بمعجزات عظيمة.
وأرسل إلى بني إسرائيل.
وأنزل عليه الإنجيل.
وبشر بالنبي محمد ﷺ.
ولم يُقتل ولم يُصلب.
ورفعه الله إليه.
وسينزل في آخر الزمان.
هذه هي الصورة التي يثبتها الوحي الإسلامي، دون حاجة إلى الأساطير أو القصص التي لا دليل عليها.
أبرز ما لا يصح الجزم به في قصة عيسى عليه السلام
نظرًا لكثرة الروايات التي أحاطت بقصة عيسى، فمن المهم التفريق بين الثابت وغيره.
اسم والد مريم بالتفصيل
الثابت أن مريم ابنة عمران، وأن القرآن ذكر عمران، لكن لا ينبغي إضافة تفاصيل نسبية لم تثبت بنص صحيح.
تفاصيل طفولة عيسى بعد ولادته
القرآن ذكر كلامه في المهد، ثم ذكر رسالته ومعجزاته، لكنه لم يقدم سيرة تفصيلية لكل مراحل طفولته.
أسماء جميع الحواريين
القرآن أثبت وجود الحواريين وإيمانهم ونصرتهم لعيسى، لكنه لم يذكر أسماءهم جميعًا.
وقد اشتهرت أسماء في كتب التاريخ والتفسير، لكن لا يصح تقديمها على أنها ثابتة بالقرآن أو حديث صحيح.
اسم الشخص الذي شُبّه بعيسى
لم يذكر القرآن اسمًا صريحًا لهذا الشخص.
ولهذا لا يصح الجزم باسم معين.
تفاصيل صلب عيسى
القرآن نفى قتل عيسى وصلبه، وقال:
﴿وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾.
أما التفاصيل الكاملة لكيفية وقوع الشبه، فلا يوجد نص قرآني صريح يحددها.
مدة بقاء عيسى في الأرض قبل رفعه
لم يثبت في القرآن نص يحدد عدد السنوات التي عاشها عيسى عليه السلام قبل رفعه.
تفاصيل زواجه أو أبنائه
لا يثبت ذلك في القرآن ولا في السنة الصحيحة.
تفاصيل مقتله بعد نزوله
الثابت أنه سينزل في آخر الزمان، أما تفاصيل نهاية حياته بعد النزول فيجب ألا تُذكر إلا بما ثبت في الأحاديث الصحيحة.
هل توجد روايات تاريخية عن عيسى عليه السلام؟
نعم، توجد روايات كثيرة في كتب التفسير والتاريخ وقصص الأنبياء.
ومن أشهر الكتب التي تناولت أخبار عيسى عليه السلام:
● تفسير الطبري.
● تفسير ابن كثير.
● تفسير القرطبي.
● تفسير البغوي.
● كتب قصص الأنبياء.
لكن وجود الرواية في أحد هذه الكتب لا يعني تلقائيًا أنها صحيحة.
فالمفسرون والمؤرخون قد ينقلون أقوالًا متعددة، ويذكرون أحيانًا الروايات بأسانيدها أو دون الجزم بصحتها، وقد يدخل في بعضها ما نُقل عن أهل الكتاب.
ولهذا فإن القاعدة في هذه القصة هي:
ما ثبت في القرآن فهو أصل القصة، وما ثبت في السنة الصحيحة يُقبل، وما ورد في كتب التاريخ والتفسير يُذكر عند الحاجة مع بيان درجته، أما الروايات الضعيفة والإسرائيليات التي لا يثبت بها شيء فلا تُبنى عليها أحداث القصة.
قصة عيسى عليه السلام باختصار
بدأت القصة بمريم عليها السلام، المرأة التي اصطفاها الله وطهرها.
ثم جاءها جبريل عليه السلام ببشارة الغلام الزكي.
وحملت بعيسى عليه السلام من غير أب، فكانت ولادته آية عظيمة من آيات قدرة الله.
وعندما عادت إلى قومها تحمل طفلها، تكلم عيسى في المهد، وأعلن:
﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾.
ثم نشأ وأرسله الله إلى بني إسرائيل، وأيده بالإنجيل، وأجرى على يديه معجزات عظيمة بإذن الله.
دعا قومه إلى عبادة الله وحده، وآمن به الحواريون.
ثم كذبه فريق من قومه وتآمروا عليه.
فلم يقتل ولم يصلب، بل رفعه الله إليه.
وبقيت قصته مرتبطة بأحداث آخر الزمان، إذ سينزل إلى الأرض كما ثبت في السنة الصحيحة، ويحكم بالعدل، ويقضي على فتنة الدجال.
ثم يكون من مشاهد يوم القيامة أن يسأل الله عيسى عما قاله الناس فيه، فيعلن براءته من دعوى ألوهيته، ويؤكد أنه لم يأمرهم إلا بعبادة الله وحده.
الدروس والعبر من قصة سيدنا عيسى عليه السلام
1. قدرة الله لا تحدها الأسباب
وُلد عيسى عليه السلام من غير أب.
وهذا الحدث يذكر الإنسان بأن قدرة الله لا تتوقف على الأسباب المعتادة.
فالذي خلق آدم من غير أب ولا أم قادر على خلق عيسى من أم بلا أب.
2. المعجزة لا تعني ألوهية صاحبها
أجرى الله على يد عيسى معجزات عظيمة، لكنه كان يكرر:
﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
فالقدرة لله، والمعجزة آية يؤيد الله بها رسله.
3. أعظم ما دعا إليه عيسى هو توحيد الله
قال:
﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾.
وهذا هو أصل دعوة الأنبياء جميعًا.
4. عظمة الإنسان لا تكون بالخروج عن العبودية
كان أول كلام عيسى في المهد:
﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾.
فعبودية الله هي أعلى مقام للإنسان، وليست انتقاصًا منه.
5. مريم عليها السلام مثال للعفة والصبر
تحملت مريم موقفًا شديدًا، وواجهت قومها وحدها وهي تحمل طفلًا، لكنها بقيت ثابتة، فبرأها الله وأظهر معجزة ابنها.
6. لا يجوز الغلو في الأنبياء
أحب المسلمون عيسى عليه السلام، وآمنوا به، ووقروه، وصلوا على النبي محمد ﷺ وعيسى وجميع الأنبياء.
لكن محبتهم لا تعني رفعهم فوق منزلتهم.
فالنبي رسول كريم، وليس إلهًا.
7. الحق قد يواجه التكذيب
جاء عيسى بالبينات والمعجزات، ومع ذلك كذبه فريق من قومه.
وهذا يبين أن ظهور الحق لا يعني أن كل الناس سيقبلونه.
8. نهاية الظلم ليست بيد البشر
أراد أعداء عيسى قتله، لكن الله حفظه ورفعه إليه.
فلا يستطيع أحد أن يمنع أمر الله إذا أراد شيئًا.
أسئلة شائعة عن قصة سيدنا عيسى عليه السلام
من هو عيسى عليه السلام؟
عيسى ابن مريم عليه السلام نبي ورسول من رسل الله إلى بني إسرائيل، وهو المسيح الذي بشر الله به مريم عليها السلام.
هل وُلد عيسى عليه السلام من غير أب؟
نعم، ولد من مريم عليها السلام من غير أب، وكانت ولادته آية من آيات الله.
من هو والد عيسى عليه السلام؟
ليس لعيسى عليه السلام أب من البشر، وهذا من خصائص خلقه التي جعلها الله آية للناس.
هل عيسى عليه السلام هو ابن الله؟
لا. القرآن ينفي ذلك، ويقرر أن عيسى عبد الله ورسوله، وأن الله سبحانه وتعالى منزه عن الولد.
هل عيسى عليه السلام هو الله؟
لا. قال عيسى لقومه:
﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾.
هل تكلم عيسى عليه السلام في المهد؟
نعم، وتكلم بكلام حكيم أعلن فيه عبوديته لله ونبوته.
ما معجزات عيسى عليه السلام؟
منها الكلام في المهد، وخلق هيئة الطير من الطين فينفخ فيها فتكون طيرًا بإذن الله، وشفاء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله، والإخبار ببعض ما يأكل الناس وما يدخرون في بيوتهم.
هل كان لعيسى كتاب؟
نعم، أنزل الله عليه الإنجيل.
إلى من أرسل عيسى عليه السلام؟
أرسله الله رسولًا إلى بني إسرائيل.
هل دعا عيسى إلى عبادة نفسه؟
لا، بل دعا إلى عبادة الله وحده، وقال:
﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾.
هل قتل اليهود عيسى عليه السلام؟
القرآن ينفي ذلك صراحة، فقال:
﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾.
ماذا حدث لعيسى عليه السلام؟
رفعه الله إليه:
﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾.
هل سينزل عيسى عليه السلام مرة أخرى؟
نعم، ثبت نزوله في آخر الزمان في الأحاديث الصحيحة.
هل عيسى عليه السلام حي الآن؟
الثابت في القرآن أنه رُفع إلى الله، وثبت في السنة أنه سينزل في آخر الزمان. ولا ينبغي تجاوز هذه النصوص إلى تفاصيل لم يثبت بها دليل صحيح.
هل عيسى عليه السلام من أولي العزم؟
نعم، عيسى عليه السلام من أولي العزم من الرسل، وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام.
خاتمة قصة سيدنا عيسى عليه السلام
قصة عيسى ابن مريم عليه السلام قصة نبي عظيم، اجتمعت في حياته آيات كثيرة منذ اللحظة الأولى.
بدأت القصة بمريم عليها السلام، المرأة التي اصطفاها الله وطهرها.
ثم جاءت البشارة بغلام زكي.
وولد عيسى من غير أب، فكان مولده آية.
وتكلم في المهد، فقال أول ما قال:
﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾.
ثم أرسله الله إلى بني إسرائيل، وأيده بمعجزات عظيمة، وأنزل عليه الإنجيل، ودعا قومه إلى عبادة الله وحده.
آمن به الحواريون، وكذبه آخرون، وتآمر أعداؤه عليه.
لكن المؤامرة لم تنتهِ بقتله.
فقد قال الله:
﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾.
ثم قال:
﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾.
وهنا تتوقف تفاصيل حياته الأرضية التي لم يثبت فيها نص مفصل، لكن قصته لا تنتهي؛ فقد أخبر النبي محمد ﷺ أن عيسى ابن مريم سينزل في آخر الزمان، ويحكم بالعدل، ويقضي على فتنة الدجال.
وفي النهاية سيقف عيسى عليه السلام بين يدي الله، ويعلن الحقيقة التي أعلنها منذ أن كان في المهد:
﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾.
وهكذا تبقى قصة عيسى عليه السلام في القرآن قصة نبي كريم اصطفاه الله، وأيده بالمعجزات، ورفعه إليه، وبرّأه من دعاوى الألوهية، وجعل نزوله في آخر الزمان من علامات الساعة.
إنها قصة عظيمة، لكن عظمتها لا تحتاج إلى الأساطير ولا إلى التفاصيل غير الثابتة؛ فالقرآن والسنة الصحيحة قدما من قصة عيسى ما يكفي ليعرف المؤمن قدر هذا النبي الكريم، ويعرف في الوقت نفسه الحقيقة التي جاء بها جميع الأنبياء:
عبادة الله وحده.
المصادر المعتمدة
● القرآن الكريم، وخاصة سور: مريم، آل عمران، النساء، المائدة، الصف، الزخرف.
● صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، أحاديث نزول عيسى ابن مريم عليه السلام.
● تفسير ابن كثير، في تفسير آيات عيسى ومريم عليهما السلام.
● تفسير الطبري.
● تفسير القرطبي.
● تفسير البغوي.
● تفسير السعدي.
وقد تم في هذا المقال التفريق بين النص القرآني والحديث الصحيح وبين الروايات التاريخية والتفسيرية التي لا يصح الجزم بها، وتجنب الروايات الضعيفة والإسرائيليات غير الثابتة، وعدم إضافة تفاصيل حول صلب عيسى أو حياته أو نسبه أو الحواريين إلا بما تدل عليه النصوص المعتبرة.







