نص القصة
الجواب المختصر: من هو ذو الكفل عليه السلام؟
ذو الكفل شخصية عظيمة أثنى الله عليها في القرآن الكريم، وذكره باسمه في موضعين.
قال تعالى:
﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾
سورة الأنبياء: 85-86
وقال:
﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ الْأَخْيَارِ﴾
سورة ص: 48.
ومن هاتين الآيتين نعرف يقينًا أن ذا الكفل:
● كان من الصابرين.
● كان من الصالحين.
● أدخله الله في رحمته.
● كان من الأخيار.
أما تفاصيل حياته، واسمُه الأصلي، ونسبُه، وزمانُه، وهل كان نبيًا أو عبدًا صالحًا، فقد وقع فيها خلاف قديم بين العلماء؛ لأن القرآن لم يذكر قصته تفصيلًا، ولم يرد حديث صحيح صريح يحسم جميع هذه المسائل.
والقول الذي رجحه ابن كثير والرازي والآلوسي وجماعة من المفسرين هو أنه نبي من أنبياء الله؛ لأن القرآن قرنه بالأنبياء وأثنى عليه معهم. لكن القرطبي نقل قولًا آخر بأن الجمهور عنده على أنه رجل صالح غير نبي، وتوقف الإمام الطبري في الجزم بالمسألة. لذلك فنبوة ذي الكفل قول قوي مشهور عند كبار المفسرين، لكنها ليست محل إجماع.
مقدمة قصة سيدنا ذو الكفل عليه السلام
ليست كل قصص الأنبياء في القرآن متساوية في مقدار التفاصيل.
فقصة يوسف عليه السلام تمتد عبر سورة كاملة.
وقصة موسى موزعة في عشرات المواضع.
أما ذو الكفل، فقد اختار القرآن أن يعرّفنا به في كلمات قليلة جدًا.
لكن الكلمات القليلة كانت عظيمة:
﴿مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.
﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
﴿مِنَ الْأَخْيَارِ﴾.
وهذا يجعل قصة ذي الكفل مختلفة.
فنحن لا نعرف من القرآن كيف كانت طفولته.
ولا اسم أبيه يقينًا.
ولا اسم زوجته.
ولا أسماء أبنائه.
ولا اسم القوم الذين أُرسل إليهم إن كان نبيًا.
ولا معجزة محددة له.
ولا قصة وفاته.
لكننا نعرف شيئًا ربما أراد القرآن أن يكون هو الأهم:
أن هذا الرجل عاش حياة استحق بسببها أن يخلّد الله اسمه مقرونًا بالصبر والصلاح والخيرية.
ولهذا فإن كتابة قصة ذي الكفل بأمانة لا تعني ملء الفراغات بحكايات غير ثابتة، بل تعني التفريق بين النص القطعي، والتفسير المعتبر، والتاريخ المنقول.
أين ذكر ذو الكفل في القرآن؟
ورد اسم ذو الكفل في موضعين فقط من القرآن الكريم.
الموضع الأول: سورة الأنبياء
قال تعالى:
﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾.
جاء ذكره بعد قصة أيوب عليه السلام مباشرة، ومع إسماعيل وإدريس.
والمعلومة الأساسية التي يقدمها النص هنا هي الصبر.
ثم يضيف:
﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا﴾.
ثم:
﴿إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾.
الموضع الثاني: سورة ص
قال تعالى:
﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ الْأَخْيَارِ﴾.
وهنا قرن الله ذا الكفل بإسماعيل واليسع، ووصف الجميع بأنهم:
﴿مِنَ الْأَخْيَارِ﴾.
وفسر الطبري المعنى بأن الله يأمر نبيه محمدًا ﷺ أن يذكر هؤلاء وما أبلوا في طاعة الله، وأن يقتدي بصبرهم على طاعته.
وهكذا اجتمعت لذي الكفل ثلاثة أوصاف قرآنية عظيمة:
الصبر، والصلاح، والخيرية.
هل ذو الكفل نبي؟
هذه أهم مسألة في قصته.
والإجابة الدقيقة هي:
اختلف العلماء في ذلك.
القول الأول: ذو الكفل نبي
وهو القول الذي رجحه عدد كبير من كبار المفسرين.
قال ابن كثير إن ظاهر السياق يدل على أنه نبي؛ لأن الله قرنه بالأنبياء في سياق الثناء عليهم. ووصف في كتاب البداية والنهاية القول بنبوته بأنه المشهور.
وقال فخر الدين الرازي إن الحسن وجمهورًا من العلماء قالوا إنه من الأنبياء، وعبّر عن هذا بأنه أولى الأقوال.
وقال الآلوسي في روح المعاني إن ظاهر إدخاله في سلك الأنبياء يدل على أنه منهم، وإن هذا هو القول الذي ذهب إليه الأكثر عنده.
والحجة الرئيسية لهذا القول واضحة:
في سورة الأنبياء جاء ذو الكفل بين إسماعيل وإدريس.
وفي سورة ص جاء بين إسماعيل واليسع.
وكل هؤلاء أنبياء معروفون.
ولهذا رأى هؤلاء المفسرون أن السياق نفسه قرينة قوية على نبوته.
القول الثاني: كان رجلًا صالحًا وليس نبيًا
ذهب بعض السلف والعلماء إلى أن ذا الكفل لم يكن نبيًا، وإنما كان عبدًا صالحًا أو حاكمًا عادلًا.
ونقل ابن كثير هذا القول، ثم ذكر أن الإمام الطبري لم يجزم بأحد القولين.
أما القرطبي فقد ذكر في تفسير سورة الأنبياء أن الجمهور - وفق ما نقله هو - ذهبوا إلى أنه ليس نبيًا، وأن الحسن قال بنبوته.
وهنا تظهر أهمية الدقة:
لا يصح أن نقول:
«أجمع العلماء على أن ذا الكفل نبي».
لأن هذا غير صحيح.
كما لا يصح أن نقول:
«أجمع العلماء على أنه ليس نبيًا».
بل المسألة خلافية.
فما الرأي الأقوى؟
الأقرب عند ابن كثير والرازي والآلوسي وجماعة من المفسرين أنه نبي؛ بسبب السياق القرآني الذي قرنه بالأنبياء.
ولهذا نتعامل معه في هذه السلسلة على القول الراجح عند هؤلاء العلماء بوصفه ذا الكفل عليه السلام، مع بقاء الأمانة العلمية في الإشارة إلى وجود قول معتبر آخر.
وهذا أكثر دقة من إخفاء الخلاف أو الادعاء بوجود إجماع غير موجود.
ما اسم ذو الكفل الحقيقي؟
القرآن لم يذكر اسمًا لذي الكفل غير هذا اللقب، ولم يرد حديث صحيح يحدد اسمه الشخصي.
لكن كتب التاريخ والتفسير ذكرت عدة أقوال.
القول التاريخي الأشهر: اسمه بشر بن أيوب
ذكر ابن كثير في البداية والنهاية أن كثيرًا من الناس قالوا إن ذا الكفل هو بشر بن أيوب، أي أحد أبناء نبي الله أيوب عليه السلام.
لكن ابن كثير لم يجزم بهذا، بل قال في معناه إن كثيرًا من الناس يزعمون ذلك، ثم ختم بقوله: فالله أعلم.
كما نقل الآلوسي في روح المعاني قولًا أن اسمه بشر، وأنه ابن أيوب، وأنه بُعث بعد أبيه.
إذن الصياغة الدقيقة هي:
لم يثبت في القرآن أو السنة الصحيحة أن ذا الكفل هو بشر بن أيوب، لكن هذا من أشهر الأقوال التاريخية التي نقلها ابن كثير والآلوسي وغيرهما.
ولا يجوز تحويل هذا القول إلى حقيقة قطعية فنكتب:
«ذو الكفل هو ابن أيوب يقينًا».
هل ذو الكفل ابن أيوب عليه السلام؟
القول بأنه ابن أيوب مشهور في عدد من كتب التاريخ والتفسير.
ويظهر هذا حتى في عنوان الفصل الذي خصصه ابن كثير له في البداية والنهاية:
«قصة ذي الكفل الذي زعم قوم أنه ابن أيوب».
ثم ذكر أن بشر بن أيوب هو الذي قال كثير من الناس إنه ذو الكفل.
ويؤكد عنوان ابن كثير نفسه مقدار احتياطه؛ فهو لم يقل:
«ذو الكفل ابن أيوب».
بل أشار إلى أن هذا قول منقول.
لذلك نقول:
من الأقوال التاريخية المشهورة أن ذا الكفل هو بشر بن أيوب عليه السلام، لكن لا يوجد نص قرآني أو حديث صحيح يحسم هذا النسب.
هل توجد أقوال أخرى في هويته؟
نعم.
وهذا من أكثر الجوانب التي تظهر لنا أن هوية ذي الكفل التاريخية لم تُحسم.
نقل الآلوسي في روح المعاني عدة أقوال، منها أنه:
● بشر بن أيوب.
● أو إلياس.
● أو يوشع بن نون.
● أو زكريا.
● أو اليسع.
● وذكر أيضًا أن اليهود كانوا يربطونه بـحزقيال.
وجود هذا العدد الكبير من الأقوال المتعارضة يجعل من غير الصحيح اختيار أحدها وعرضه للقارئ على أنه يقين.
ولذلك يبقى الاسم الوحيد الثابت شرعًا:
ذو الكفل.
هل ذو الكفل هو النبي حزقيال؟
هذه المعلومة منتشرة كثيرًا.
ذكر الآلوسي أن اليهود زعموا أن ذا الكفل هو حزقيال، وربطوا زمنه بالسبي البابلي.
لكن هذا تحديد تاريخي وليس نصًا إسلاميًا ثابتًا.
لا توجد آية تقول إن ذا الكفل هو حزقيال.
ولا يوجد حديث صحيح عن النبي ﷺ يقول ذلك.
لذلك يجوز أن نقول:
ذكر بعض أهل التاريخ والتفسير وجود قول يربط ذا الكفل بحزقيال، لكن لا دليل صحيح يحسم أنهما شخص واحد.
وهذا المثال يوضح أهمية الفصل بين المعلومة التاريخية والحقيقة الشرعية القطعية.
متى عاش ذو الكفل عليه السلام؟
لا يحدد القرآن زمان ذي الكفل.
ولا يوجد حديث صحيح يحدد السنة أو الحقبة التي عاش فيها.
فإن أخذنا بالقول التاريخي إنه بشر بن أيوب، سيكون زمنه بعد أيوب.
وإن أخذنا بقول إنه خليفة اليسع، فسيختلف موقعه الزمني تمامًا.
وإذا أخذنا بالقول الذي يربطه بحزقيال، فسنكون أمام فترة أخرى.
وهذا الاختلاف نفسه يمنعنا من إعطاء تاريخ محدد لحياته.
إذن:
زمن ذي الكفل غير ثابت بصورة قطعية.
لماذا وضع ابن كثير قصة ذي الكفل بعد أيوب؟
من الملاحظ أن ابن كثير في البداية والنهاية ذكر قصة ذي الكفل بعد قصة أيوب، ويرتبط ذلك بالقول التاريخي الذي جعل ذا الكفل بشر بن أيوب، لكنه لم يقطع بصحة هذا النسب.
ولذلك فإن ترتيب ذي الكفل بعد أيوب في بعض قوائم قصص الأنبياء ترتيب اجتهادي مبني على قول تاريخي، وليس نصًا قرآنيًا يقول إن ذا الكفل جاء مباشرة بعد أيوب.
لماذا سمي ذا الكفل؟
القرآن لم يشرح سبب التسمية صراحة.
وكلمة الكفل في العربية لها معانٍ منها الحظ والنصيب، وقد ذكر الطبري في تفسير سورة ص أن الكفل في كلام العرب يأتي بمعنى الحظ والجد.
كما ربط عدد من المفسرين الاسم بمعنى الكفالة والتكفل؛ أي الالتزام بأمر ثم الوفاء به.
ونقل الطبري وابن كثير عن مجاهد قصة تفسيرية مفادها أنه تكفل بأمر من الأمور فوفى بما التزم به، ومن هنا قيل إنه سُمي ذا الكفل.
إذن أشهر تفسير للاسم:
أنه صاحب كفالة أو التزام وفى به.
لكن سبب التسمية التفصيلي ليس منصوصًا عليه في القرآن أو حديث صحيح، لذلك يبقى تفسيرًا منقولًا عن السلف، لا نصًا قطعيًا.
القصة التاريخية الأشهر لذي الكفل: خلافة اليسع
من أشهر ما ذكرته كتب التفسير في محاولة شرح قصة ذي الكفل ما رواه الطبري وابن أبي حاتم، ونقله ابن كثير، عن مجاهد.
تقول الرواية إن اليسع عليه السلام لما كبر أراد أن يستخلف رجلًا ينظر كيف يقوم بأمر الناس.
فاشترط فيمن يتولى المسؤولية أن يلتزم بأمور منها:
● الصيام.
● قيام الليل.
● ألا يغضب.
فتقدم رجل وقبل الالتزام.
ثم قام بما تكفل به.
وتروي القصة أن الشيطان حاول أن يغضبه، فأتاه في صورة رجل مظلوم في وقت راحته وأطال عليه الشكوى، ثم كرر الأمر، لكن الرجل ظل ثابتًا ولم يخرج عن التزامه، فوفى بما تكفل به.
ما درجة هذه القصة؟
هذه القصة ليست آية قرآنية ولا حديثًا صحيحًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ.
وإنما هي أثر تفسيري منقول عن مجاهد، رواه الطبري وابن أبي حاتم ونقله ابن كثير.
لذلك يمكن ذكرها بوصفها من أشهر ما نُقل في تفسير سبب لقبه، لكن لا نقول:
«هذه هي القصة المؤكدة لذي الكفل».
والصياغة الصحيحة:
ذكر مجاهد في تفسير الآية قصةً تفسر سبب تسميته بذي الكفل، ونقلها الطبري وابن كثير، لكنها ليست ثابتة بحديث نبوي صحيح.
ماذا نتعلم من هذه الرواية إن صحت؟
إذا صحت نسبة هذه القصة إلى ذي الكفل، فإنها تنسجم بصورة واضحة مع الوصف القرآني له:
﴿كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ﴾.
فالوفاء بالتزام شاق يحتاج إلى صبر.
والحكم بين الناس يحتاج إلى صبر.
وضبط الغضب يحتاج إلى صبر.
والاستمرار في العبادة يحتاج إلى صبر.
لكن المهم ألا نقلب هذا التوافق إلى دليل قاطع على صحة كل تفصيل في الرواية.
هل كان ذا الكفل ملكًا أو قاضيًا؟
ورد في أقوال المفسرين أنه ربما كان ملكًا عادلًا أو حكمًا مقسطًا.
وذكر ابن كثير هذا ضمن القول الذي يرى أنه لم يكن نبيًا وإنما كان رجلًا صالحًا يحكم بالعدل.
كما نقل الطبري عن بعض السلف أخبارًا تربط سبب تسميته بتوليه أمر قوم والحكم بينهم والوفاء بما تكفل به.
إذن:
وجود ارتباط بين ذي الكفل والعدل والحكم ورد في تراث التفسير، لكن طبيعة منصبه وتفاصيل حياته السياسية ليست ثابتة بنص قطعي.
هل كان ذا الكفل خليفةً للنبي اليسع؟
جاء في الرواية المنقولة عن مجاهد أن اليسع أراد أن يستخلف رجلًا على الناس، وأن الرجل الذي قبل الشروط هو ذو الكفل.
وهذه الرواية من أهم أسباب وضع بعض المؤرخين ذي الكفل بعد اليسع في التسلسل الزمني.
لكنها كما سبق رواية تفسيرية وليست حديثًا صحيحًا عن النبي ﷺ.
لذلك نقول:
من الأقوال التفسيرية المشهورة أن ذا الكفل تولى أمر الناس بعد اليسع، ولا نجزم بذلك تاريخيًا.
هل قصة الرجل والمرأة هي قصة ذو الكفل؟
هذه من أكثر الأخطاء انتشارًا في المقالات ومقاطع الفيديو.
ورد حديث عن رجل من بني إسرائيل اسمه الكفل كان كثير الذنوب، ثم حدث له موقف مع امرأة دفعه إلى التوبة، فتاب إلى الله.
الحديث رواه الترمذي وأحمد، وقد وصفه الترمذي بالحسن في روايته، كما ناقش أهل الحديث طرقه.
لكن المشكلة المهمة هي:
هل هذا الرجل هو ذو الكفل المذكور في القرآن؟
ابن كثير نبه بوضوح إلى أن لفظ الرواية هو:
«الكفل»
وليس:
«ذو الكفل».
ثم قال إن من المحتمل أن يكون رجلًا آخر غير المذكور في القرآن.
وهذا التفريق ضروري جدًا.
فلا يصح أن نكتب في قصة النبي ذي الكفل:
«كان رجلًا لا يتورع عن الذنوب ثم أراد الزنا بامرأة...»
ثم ننسب ذلك إلى صاحب الاسم الذي أثنى الله عليه في القرآن.
الأدق:
حديث «الكفل» يتحدث عن رجل من بني إسرائيل، ولا يوجد دليل صحيح يثبت أنه ذو الكفل المذكور في القرآن، بل رجح ابن كثير أنه قد يكون شخصًا آخر.
ما الذي نعرفه يقينًا عن شخصية ذي الكفل؟
عندما نزيل كل الروايات المختلف فيها، تبقى لنا صورة قرآنية قوية جدًا.
كان صابرًا
قال الله:
﴿كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ﴾.
لم يخبرنا القرآن ما البلاء المحدد الذي صبر عليه.
وهذا بحد ذاته مهم.
فقد يكون القرآن أراد إبراز الصفة أكثر من تفاصيل الحدث.
كان صالحًا
قال:
﴿إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾.
والصلاح في القرآن منزلة عظيمة تجمع صحة الإيمان وحسن العمل.
أدخله الله في رحمته
قال:
﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا﴾.
وهي شهادة من الله بقبوله وفضله.
كان من الأخيار
قال تعالى:
﴿وَكُلٌّ مِّنَ الْأَخْيَارِ﴾.
وليس هذا ثناءً يصنعه المؤرخون.
إنه ثناء الله عليه.
هل نعرف قوم ذي الكفل؟
لا يذكر القرآن قومًا معينين أُرسل إليهم ذو الكفل.
ولا يثبت في حديث صحيح اسم الأمة التي دعاها.
أما القول بأنه كان من بني إسرائيل فهو مرتبط بعدد من الأقوال التفسيرية والتاريخية حول هويته، ومنها القول بأنه جاء بعد اليسع أو أنه من نسل أيوب، لكنه ليس نصًا قرآنيًا صريحًا في قومه.
لذلك لا نجزم باسم قومه إلا بقدر ما تسمح به المصادر.
أين عاش ذو الكفل؟
لا يوجد نص قرآني أو حديث صحيح يحدد مكان إقامته.
لكن إذا أخذنا بالقول التاريخي الذي ذكره الآلوسي بأن اسمه بشر بن أيوب، فإن الرواية التي نقلها تذكر أنه أقام في الشام.
هل هذه معلومة مؤكدة؟
لا.
الصحيح أن نقول:
ذكر الآلوسي ضمن أحد الأقوال التاريخية أن ذا الكفل، على القول بأنه بشر بن أيوب، كان مقيمًا بالشام. وهذه المعلومة مرتبطة بذلك القول التاريخي نفسه، وليست ثابتة بآية أو حديث صحيح.
وهكذا نذكر المعلومة بدل حذفها، لكن نوضح درجتها.
كم عاش ذو الكفل؟
ورد في روح المعاني للآلوسي، ضمن الرواية التي تجعله بشر بن أيوب، أنه مات وعمره خمس وسبعون سنة.
وذكر ابن كثير في البداية والنهاية الرواية نفسها تقريبًا عن بشر بن أيوب، وأن بعض الناس كانوا يزعمون أنه ذو الكفل، وذُكر فيها عمر خمس وسبعين سنة.
لكن هذه المعلومة ليست ثابتة بالقرآن أو السنة الصحيحة.
لذلك لا نقول:
«عاش ذو الكفل 75 سنة» على سبيل القطع.
بل:
ذكرت بعض كتب التاريخ والتفسير، على القول بأنه بشر بن أيوب، أن عمره كان خمسًا وسبعين سنة، لكن ذلك خبر تاريخي غير ثابت بنص صحيح.
هل كان لذي الكفل ابن؟
نقل الآلوسي في الرواية التي تجعل ذا الكفل بشر بن أيوب أنه أوصى بعد وفاته إلى ابن يسمى عبدان.
لكن هذه المعلومة جزء من الرواية التاريخية نفسها، وليست ثابتة بحديث صحيح.
ولهذا لا نقدم «عبدان» بوصفه ابن ذي الكفل يقينًا.
والصياغة الأدق:
ورد في أحد الأقوال التاريخية التي نقلها الآلوسي أن لذي الكفل - على القول بأنه بشر بن أيوب - ابنًا يسمى عبدان، لكن لا يوجد نص من القرآن أو السنة الصحيحة يثبت ذلك.
من كانت زوجة ذو الكفل؟
لا يذكر القرآن اسم زوجته.
ولا يوجد حديث صحيح يذكر اسم زوجة ذي الكفل.
كما أن المصادر التفسيرية الكبرى التي تتناول الآيات لا تقدم لنا اسمًا متفقًا عليه أو خبرًا تاريخيًا قويًا يمكن الاعتماد عليه بشأن زوجته.
لذلك لا يوجد هنا اسم تاريخي معتبر نستطيع ذكره بثقة كما نفعل في بعض القصص الأخرى.
والصحيح ألا نختلق اسمًا أو ننقل اسمًا مجهول المصدر لمجرد ملء الفراغ.
هل نعرف أبناءه؟
كما سبق، توجد رواية تاريخية عند الآلوسي ترتبط بالقول بأنه بشر بن أيوب وتذكر ابنًا يسمى عبدان، لكنها ليست ثابتة بالوحي.
ولا يوجد لدينا في القرآن أو السنة الصحيحة تفصيل موثوق عن عدد أولاده أو أسرته.
ما معجزات ذو الكفل؟
لا يذكر القرآن معجزة حسية معينة لذي الكفل.
ولا يوجد حديث صحيح يثبت له معجزة مثل عصا موسى أو ناقة صالح.
ولهذا لا يصح اختراع معجزات له أو نسبة قصص خارقة إليه بلا دليل.
القرآن ركز على أمر مختلف:
شخصيته وأخلاقه.
صبر.
صلاح.
خير.
رحمة من الله.
هل دعا قومه إلى التوحيد؟
إذا كان ذا الكفل نبيًا - وهو القول الذي رجحه ابن كثير والرازي والآلوسي - فمن المعلوم أن دعوة الأنبياء أصلها توحيد الله.
أما الرواية التاريخية التي تجعله بشر بن أيوب فقد ذكر الآلوسي فيها أنه بعثه الله بعد أبيه وأمره بالدعوة إلى توحيده.
لكن تحديد قومه وتفاصيل دعوته ومجادلاته معهم لم يرد في القرآن أو السنة الصحيحة.
ولهذا لا نستطيع كتابة حوارات أو أحداث لم تُنقل إلينا.
لماذا لم يذكر القرآن قصته كاملة؟
لا يوجد نص يشرح لنا لماذا اختار الله أن يذكر ذا الكفل بهذا الاختصار.
لكن يمكننا أن نلاحظ أن القرآن لا يهدف دائمًا إلى كتابة السيرة التاريخية الكاملة لكل شخصية.
قد يذكر من حياة الإنسان الجزء الذي يحمل العبرة المطلوبة.
وفي حالة ذي الكفل كانت الكلمات الباقية للأمة:
﴿مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.
﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
﴿مِنَ الْأَخْيَارِ﴾.
وقد يكون الإنسان مجهول التفاصيل عند الناس، لكنه معروف المنزلة عند الله.
هل كان اسم «ذو الكفل» اسمًا أم لقبًا؟
وقع خلاف في ذلك أيضًا.
بعض العلماء تعامل معه باعتباره لقبًا مرتبطًا بالكفالة أو النصيب.
وبعض الأقوال التاريخية تفترض أن له اسمًا آخر مثل بشر.
وذكر الرازي أن «ذا الكفل» يمكن أن يكون اسمًا أو لقبًا، وناقش المعنى الذي قد يكون وراء هذه التسمية.
والأرجح من طبيعة التعبير أنه لقب ذو دلالة، لكننا لا نملك نصًا صحيحًا يحسم اسم صاحبه الأصلي.
ما معنى الكفل في اللغة؟
ذكر الطبري أن الكفل في كلام العرب يأتي بمعنى الحظ والنصيب.
كما ربط المفسرون الاسم بالكفالة والالتزام، خاصة في الروايات التي تقول إنه تكفل بأمر فوفى به.
ولهذا يدور تفسير الاسم تاريخيًا حول معنيين أساسيين:
النصيب والحظ، أو الكفالة والوفاء بالالتزام.
لماذا ارتبط ذو الكفل بالصبر؟
لا يعطينا القرآن حادثة محددة ثم يقول إنه صبر عليها.
بل يضع الصفة مباشرة:
﴿كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ﴾.
وهذا أوسع.
فالصبر قد يكون:
● على العبادة.
● عن المعصية.
● على البلاء.
● على تحمل المسؤولية.
● على أذى الناس.
● على الحكم بالعدل.
وقد فسر الآلوسي وصف هؤلاء بالصابرين بأنه الصبر على مشاق التكليف وشدائد ما يمر بالإنسان.
لماذا ارتبط ذو الكفل بالوفاء؟
هذا المعنى يأتي أساسًا من الروايات التفسيرية المرتبطة باسمه.
فالقصة المنقولة عن مجاهد تفسر اللقب بأنه تكفل بأمر ثم وفى به. ونقلها الطبري وابن كثير.
وإن لم نستطع الجزم بتفاصيل القصة، فإن معنى الوفاء ينسجم مع مفهوم «التكفل» الذي ربط به المفسرون لقبه.
أين توفي ذو الكفل؟
لا يوجد نص صحيح يحدد مكان وفاته.
والقول التاريخي الذي يجعله بشر بن أيوب يربطه بالشام، لكنه لا يكفي لتحديد قبر أو موضع وفاة قطعي.
كما توجد عبر التاريخ مقامات وأماكن مختلفة نسبت إلى ذي الكفل، لكن وجود مقام يحمل اسم نبي لا يكفي وحده لإثبات أن النبي مدفون فيه.
لذلك لا يمكن الجزم بقبر ذي الكفل اعتمادًا على الشهرة المحلية وحدها.
هل قبر ذو الكفل الموجود اليوم هو قبره الحقيقي؟
لا يوجد في القرآن ولا السنة الصحيحة تحديد لقبره.
وبالتالي فإن أي مكان ينسب إلى ذي الكفل اليوم يبقى نسبة تاريخية أو محلية ما لم يوجد عليها دليل قطعي، وهو غير متوفر فيما بين أيدينا.
والأمانة تقتضي التفريق بين:
«مقام يُنسب إلى ذي الكفل»
وبين:
«هذا هو قبر ذي الكفل يقينًا».
الأولى قد تكون صحيحة بوصفها وصفًا للتراث المحلي.
أما الثانية فتحتاج إلى دليل لا نملكه.
أهم المعلومات التاريخية عن ذو الكفل ودرجة ثبوتها
يمكن تلخيص أشهر ما ورد في المصادر المعتبرة على النحو الآتي:
اسمه بشر
ذكره الآلوسي وابن كثير ضمن الأقوال التاريخية.
الدرجة: غير ثابت بآية أو حديث صحيح.
هو ابن أيوب
من أشهر الأقوال التاريخية، وذكر ابن كثير أن كثيرًا من الناس قالوا به.
الدرجة: مشهور تاريخيًا، غير قطعي.
عاش في الشام
ورد في الرواية التي نقلها الآلوسي عن بشر بن أيوب.
الدرجة: مرتبط بصحة ذلك التعريف التاريخي، وليس نصًا شرعيًا.
عاش 75 عامًا
ورد ضمن الرواية التاريخية نفسها.
الدرجة: غير ثابت بالسنة الصحيحة.
كان له ابن اسمه عبدان
نقله الآلوسي ضمن الرواية التاريخية المتعلقة ببشر بن أيوب.
الدرجة: خبر تاريخي غير قطعي.
كان خليفة اليسع
ورد في أثر تفسيري عن مجاهد نقله الطبري وابن كثير.
الدرجة: أثر تفسيري، وليس حديثًا نبويًا صحيحًا.
هو حزقيال
نقل الآلوسي وجود قول بذلك عند اليهود.
الدرجة: تحديد تاريخي غير مثبت في القرآن أو السنة.
هذه هي الطريقة الصحيحة للاستفادة من كتب التاريخ:
نذكر المعلومة، ونذكر من نقلها، ثم نحدد بوضوح درجة ثبوتها.
صفات سيدنا ذو الكفل عليه السلام
الصبر
هذه أوضح صفاته:
﴿كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ﴾.
الصلاح
قال الله:
﴿إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾.
الخيرية
قال:
﴿وَكُلٌّ مِّنَ الْأَخْيَارِ﴾.
الوفاء
يظهر في التفسير الأشهر للقب «ذي الكفل» أنه ارتبط بالتكفل بأمر والوفاء به، وإن كانت تفاصيل الرواية غير قطعية.
العدل
ترتبط عدة روايات تفسيرية عنه بالقضاء بين الناس والعدل، وذكر ابن كثير القول بأنه كان حكمًا مقسطًا.
ضبط النفس
في الرواية المنقولة عن مجاهد كان من الشروط التي تكفل بها ألا يغضب، وهو أحد الأسباب التي ربط بها بعض المفسرين اسمه بالصبر والوفاء.
أهم الدروس المستفادة من قصة ذو الكفل
أولًا: قد يخلد الله صفة أكثر من الحدث
لا نعرف كثيرًا عن أحداث حياته.
لكننا نعرف أنه:
﴿مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.
قد تُنسى تفاصيل حياة الإنسان، ويبقى أثر خُلقه.
ثانيًا: الصبر طريق إلى رحمة الله
ذكر الله الصبر ثم قال:
﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا﴾.
وهذه مجاورة قرآنية عميقة بين الصبر والرحمة.
ثالثًا: الصلاح لا يحتاج إلى الشهرة
لا توجد سورة تحمل اسم ذي الكفل.
ولا قصة طويلة عنه.
لكن الله قال:
﴿إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾.
المقياس ليس مقدار ما يعرفه الناس عنك.
المقياس ما يعلمه الله عنك.
رابعًا: الوفاء بالمسؤولية عبادة
إذا صحت الروايات التي تفسر لقبه بالتكفل بأمر ثم الوفاء به، فإنها تقدم نموذجًا عظيمًا:
لا تعد بما لا تستطيع.
وإذا التزمت، فاحمل مسؤوليتك.
خامسًا: السيطرة على الغضب من علامات القوة
من أشهر ما ارتبط بتفسير لقبه أنه تعهد ألا يغضب أثناء توليه الحكم بين الناس.
سواء ثبتت القصة بتفاصيلها أم لم تثبت، فإن اختيار المفسرين لهذا المعنى يكشف مكانة ضبط النفس عند صاحب المسؤولية.
سادسًا: العدل يحتاج إلى صبر
القضاء بين الناس ليس مجرد معرفة الحكم.
يحتاج إلى:
● سماع الشكاوى.
● تحمل الخصومات.
● عدم الاستفزاز.
● عدم المحاباة.
● ضبط المشاعر.
ولهذا اجتمع في الروايات عن ذي الكفل معنى العدل مع معنى الصبر.
سابعًا: لا تحول الاحتمال التاريخي إلى عقيدة
قد يقول كتاب تاريخ:
اسمه بشر.
ويقول آخر:
هو حزقيال.
ويقول غيره:
هو رجل آخر.
الأمانة ليست أن نختار القصة الأكثر إثارة.
الأمانة أن نقول:
الله أعلم.
ثامنًا: ليس كل ما اشتهر صحيحًا
من أشهر الأمثلة قصة «الكفل» والمرأة.
انتشرت على أنها قصة ذي الكفل.
لكن ابن كثير نبه إلى أن الحديث يقول «الكفل»، لا «ذو الكفل»، وأنه قد يكون رجلًا مختلفًا.
تاسعًا: العلم أمانة
عندما لا يقدم القرآن تفاصيل معينة، لا ينبغي للمقال أن يخترعها.
قوة المقال الديني ليست في كثرة القصص، بل في صحة ما ينسبه إلى الله ورسله.
ما الذي نعرفه عن ذي الكفل يقينًا وما الذي لا نعرفه؟
نعرف يقينًا:
أنه ذكر في القرآن.
وأن الله وصفه بالصبر.
ووصفه بالصلاح.
ووصفه بالخيرية.
وأدخله في رحمته.
والراجح عند عدد من كبار المفسرين:
أنه نبي.
لكن المسألة ليست إجماعًا.
ومن أشهر الأقوال التاريخية:
أنه بشر بن أيوب.
وأنه عاش في الشام.
وأن عمره كان خمسًا وسبعين سنة.
وأن له ابنًا يسمى عبدان.
لكن هذه التفاصيل ليست ثابتة بنص من القرآن أو السنة الصحيحة.
ومن الأقوال التفسيرية:
أنه تولى أمر الناس بعد اليسع وتكفل بالصبر والعبادة والعدل.
وهي رواية تفسيرية عن مجاهد، وليست حديثًا صحيحًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ.
أسئلة شائعة عن سيدنا ذو الكفل عليه السلام
من هو ذو الكفل؟
رجل صالح عظيم أثنى الله عليه في القرآن، والقول الذي رجحه ابن كثير والرازي والآلوسي أنه نبي، مع وجود خلاف بين العلماء.
هل ذو الكفل نبي؟
الراجح عند عدد من كبار المفسرين نعم، لكن المسألة ليست محل إجماع.
لماذا سمي ذا الكفل؟
أشهر تفسير أنه تكفل بأمر فوفى به، كما ورد في آثار تفسيرية، وقيل إن الكفل بمعنى النصيب أو الحظ.
ما اسم ذو الكفل الحقيقي؟
لا يوجد اسم ثابت في القرآن أو السنة الصحيحة.
هل اسمه بشر؟
ذكر ابن كثير والآلوسي قولًا تاريخيًا أن اسمه بشر، لكن ذلك غير قطعي.
هل ذو الكفل ابن أيوب؟
هذا من أشهر الأقوال التاريخية، لكنه غير ثابت بنص صحيح.
هل كان أخًا ليوسف أو من أبناء يعقوب؟
لا يوجد دليل صحيح على ذلك.
هل ذو الكفل هو حزقيال؟
ورد هذا القول في بعض المصادر التاريخية، ونقله الآلوسي، لكنه غير ثابت شرعًا.
هل ذو الكفل هو اليسع؟
ذكر هذا ضمن عدة أقوال في هويته، لكنه غير ثابت.
هل ذو الكفل هو زكريا؟
قيل ذلك أيضًا، لكنه قول غير محسوم.
هل كان ذا الكفل خليفة اليسع؟
ورد ذلك في أثر عن مجاهد نقله الطبري وابن كثير، وليس حديثًا صحيحًا مرفوعًا.
هل كان ملكًا؟
ورد في بعض أقوال المفسرين أنه كان ملكًا أو حكمًا عادلًا، لكن ذلك ليس نصًا قرآنيًا.
أين عاش؟
ورد ضمن أحد الأقوال التاريخية أنه عاش في الشام، لكن الأمر غير مؤكد.
كم عاش؟
تذكر رواية تاريخية خمسًا وسبعين سنة، ولا يوجد حديث صحيح يثبت هذا الرقم.
هل كان له أبناء؟
تذكر رواية نقلها الآلوسي ابنًا يسمى عبدان، لكنها غير ثابتة بالوحي.
ما اسم زوجته؟
لا يوجد اسم موثوق لزوجته في القرآن أو السنة الصحيحة، ولا توجد معلومة تاريخية قوية متفق عليها تسمح بالجزم باسمها.
ما معجزته؟
لم يذكر القرآن ولا السنة الصحيحة معجزة محددة له.
ما قصته مع الشيطان؟
ورد في أثر تفسيري عن مجاهد أن الشيطان حاول إغضابه بعدما تكفل ألا يغضب، لكن القصة ليست حديثًا صحيحًا عن النبي ﷺ.
هل قصة ذو الكفل والمرأة صحيحة؟
هناك حديث عن رجل اسمه الكفل تاب بعد موقف مع امرأة، لكن ابن كثير نبه إلى أن الرواية تقول «الكفل» لا «ذو الكفل»، وأنه قد يكون رجلًا مختلفًا عن المذكور في القرآن.
أين قبر ذو الكفل؟
لا يوجد دليل صحيح يحدد قبره يقينًا.
خاتمة قصة سيدنا ذو الكفل عليه السلام
قد تبدو قصة ذي الكفل قصيرة جدًا إذا قارناها بقصة موسى أو إبراهيم أو يوسف.
لا بحر ينشق.
ولا نار تتحول بردًا وسلامًا.
ولا سجن.
ولا قصر.
ولا حوار طويل مع قوم معاندين.
لكن القرآن لم يحتج إلى كل ذلك حتى يخلد اسمه.
قال عنه كلمة واحدة:
﴿الصَّابِرِينَ﴾.
ثم:
﴿الصَّالِحِينَ﴾.
ثم:
﴿الْأَخْيَارِ﴾.
وربما هنا تكمن قوة قصته.
ليس كل إنسان عظيمًا لأن الأحداث من حوله كانت عظيمة.
قد تكون عظمته في الثبات.
في الوفاء.
في حمل المسؤولية.
في الصبر عندما لا يراه أحد.
وفي أن يبقى صالحًا عامًا بعد عام.
اختلف المؤرخون في اسمه.
فقال بعضهم: بشر بن أيوب.
وقال آخرون غير ذلك.
واختلف المفسرون في نبوته.
لكنهم لم يختلفوا في شيء سجله القرآن بنفسه:
أن الله أثنى عليه.
قال:
﴿وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ﴾.
ثم قال:
﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا﴾.
وهنا تكتمل الرسالة.
قد لا يعرف الناس قصتك كاملة.
قد لا يحفظ التاريخ تفاصيل حياتك.
قد يختلف المؤرخون حتى في اسمك.
لكن إن كنت عند الله من الصابرين والصالحين والأخيار، فما الذي يضرك مما نسيه التاريخ؟
إن قصة ذي الكفل تعلمنا أن قيمة الإنسان ليست في عدد صفحات سيرته، بل في الصفة التي يلقى الله بها.
المصادر المعتمدة
● القرآن الكريم – سورة الأنبياء، الآيات 85-86: أصل الثناء على ذي الكفل بالصبر والصلاح والرحمة.
● القرآن الكريم – سورة ص، الآية 48: وصفه بأنه من الأخيار.
● تفسير ابن كثير: ترجيح نبوته، ونقل روايات مجاهد حول سبب لقبه، والتنبيه إلى الفرق بين «الكفل» و«ذي الكفل».
● البداية والنهاية لابن كثير: ذكر القول التاريخي بأنه بشر بن أيوب، مع عدم الجزم به.
● تفسير الطبري: أقوال السلف في معنى ذي الكفل وسبب تسميته، وتوقف الطبري في الجزم بنبوته.
● مفاتيح الغيب للفخر الرازي: نقل قول الأكثرين بنبوته وترجيحه.
● روح المعاني للآلوسي: نقل القول بنبوته، والأقوال التاريخية في اسمه ونسبه وزمانه وربطه ببشر بن أيوب وحزقيال وغيرهما.
● تفسير القرطبي: عرض القول الآخر في نبوته وروايات سبب تسميته.
● الموسوعة الحديثية – الدرر السنية: تخريج حديث «الكفل» وبيان طرقه، مع ضرورة عدم الجزم بأنه ذو الكفل القرآني.
تنبيه منهجي: بسبب قلة النصوص القطعية عن ذي الكفل، لم تُقدَّم المعلومات التاريخية المختلف فيها على أنها حقائق شرعية. بل ذُكر كل قول مهم مع مصدره وبيان درجته، بينما بقيت الحقائق القطعية محصورة فيما أثبته القرآن والسنة الصحيحة.







