سورة فصلت الآية 14 مكتوبة بالتشكيل

سورة فصلت • الآية 14

سورة فصلت الآية 14 مكتوبة كاملة بالتشكيل

رقم السورة: 41رقم الآية: 14صفحة المصحف: 478الجزء: 24

نص الآية

إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ قَالُوا۟ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةًۭ فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ﴿14﴾

استماع الآية

صورة الآية

صورة سورة فصلت الآية 14 مكتوبة بالتشكيل، صفحة 478، الجزء 24

تفسير الآية

جميع التفاسير المتاحة لهذه الآية

التفسير الميسر

من كتاب :التفسير الميسر - نخبة من العلماء

حين جاءت الرسل عادًا وثمود، يتبع بعضهم بعضًا متوالين، يأمرونهم بعبادة الله وحده لا شريك له، قالوا لرسلهم: لو شاء ربنا أن نوحده ولا نعبد من دونه شيئًا غيره، لأنزل إلينا ملائكة من السماء رسلًا بما تدعوننا إليه، ولم يرسلكم وأنتم بشر مثلنا، فإنا بما أرسلكم الله به إلينا من الإيمان بالله وحده جاحدون.

تفسير السعدي

كتاب تفسيرالسعدي - عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي التميمي

حيث { جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ } أي: يتبع بعضهم بعضا متوالين، ودعوتهم جميعا واحدة. { أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ } أي: يأمرونهم بالإخلاص للّه، وينهونهم عن الشرك، فردوا رسالتهم وكذبوهم، { قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً } أي: وأما أنتم فبشر مثلنا { فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } وهذه الشبهة لم تزل متوارثة بين المكذبين، من الأمم وهي من أوهى الشُّبَهِ، فإنه ليس من شرط الإرسال، أن يكون المرسل مَلَكًا، وإنما شرط الرسالة، أن يأتي الرسول بما يدل على صدقه، فَلْيَقْدَحُوا، إن استطاعوا بصدقهم، بقادح عقلي أو شرعي، ولن يستطيعوا إلى ذلك سبيلا.

تفسير ابن كثير

تفسير القرآن الكريم - عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي

يَقُولُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْمُكَذِّبِينَ بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ: إِنْ أَعْرَضْتُمْ عَمَّا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَإِنِّي أُنْذِرُكُمْ حُلُولَ نِقْمَةِ اللَّهِ بِكُمْ، كَمَا حَلَّتْ بِالْأُمَمِ الْمَاضِينَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ بِالْمُرْسَلِينَ ﴿صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ أَيْ: وَمَنْ شَاكَلَهُمَا [[في أ: "شاكلهم".]] مِمَّنْ فَعَلَ كَفِعْلِهِمَا.

﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٢١] ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٢١] أَيْ: فِي الْقُرَى الْمُجَاوِرَةِ لِبِلَادِهِمْ، بعث الله إليهم الرسل يَأْمُرُونَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَمُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَرَأَوْا مَا أَحَلَّ اللَّهُ بِأَعْدَائِهِ مِنَ النِّقَمِ، وَمَا أَلْبَسَ [[في س: "ألبس الله".]] أَوْلِيَاءَهُ مِنَ النِّعَمِ، وَمَعَ هَذَا مَا آمَنُوا وَلَا صَدَّقُوا، بَلْ كَذَّبُوا وَجَحَدُوا، وَقَالُوا: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأنزلَ مَلائِكَةً﴾ أَيْ: لَوْ أَرْسَلَ اللَّهُ رُسُلًا [[في ت: "رسولا".]] لَكَانُوا مَلَائِكَةً مِنْ عِنْدِهِ، ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أَيْ: أَيُّهَا الْبَشَرُ ﴿كَافِرُونَ﴾ أَيْ: لَا نَتَّبِعُكُمْ وَأَنْتُمْ بَشَرٌ مِثْلُنَا.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبرَوُا فِي الأرْضِ [بِغَيْرِ الحَقٍّ] ﴾ [[زيادة من ت، أ.]] أَيْ: بَغَوْا وَعَتَوْا وَعَصَوْا، ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ أَيْ: مَنُّوا بِشِدَّةِ تَرْكِيبِهِمْ وَقُوَاهُمْ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُمْ يَمْتَنِعُونَ بِهِ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ! ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أَيْ: أَفَمَا يَتَفَكَّرُونَ [[في ت، س: "أفما يفكرون"، وفي أ: "فيما يتفكرون".]] فِيمَنْ يُبَارِزُونَ بِالْعَدَاوَةِ؟ فَإِنَّهُ الْعَظِيمُ الَّذِي خَلَقَ الْأَشْيَاءَ وَرَكَّبَ فِيهَا قُوَاهَا الْحَامِلَةَ لَهَا، وَإِنَّ بَطْشَهُ شَدِيدٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٤٧] ، فَبَارَزُوا الْجَبَّارَ بِالْعَدَاوَةِ، وَجَحَدُوا بِآيَاتِهِ وَعَصَوْا رَسُولَهُ، فَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهِيَ الشَّدِيدَةُ الْهُبُوبِ. وَقِيلَ: الْبَارِدَةُ. وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي لَهَا صَوْتٌ.

وَالْحَقُّ أَنَّهَا مُتَّصِفَةٌ بِجَمِيعِ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ رِيحًا شَدِيدَةً قَوِيَّةً؛ لِتَكُونَ عُقُوبَتُهُمْ مِنْ جِنْسِ مَا اغْتَرُّوا بِهِ مِنْ قُوَاهُمْ، وَكَانَتْ بَارِدَةً شَدِيدَةَ الْبَرْدِ جِدًّا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الْحَاقَّةِ:٦] ، أَيْ: بَارِدَةٍ شَدِيدَةٍ، وَكَانَتْ ذَاتَ صَوْتٍ مُزْعِجٍ، وَمِنْهُ سُمِّيَ النَّهْرُ الْمَشْهُورُ بِبِلَادِ الْمَشْرِقِ "صَرْصَرًا [[في ت، س: "صرصر".]] لِقُوَّةِ صَوْتِ جَرْيِهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ أَيْ: مُتَتَابِعَاتٍ، ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الْحَاقَّةِ: ٧] ، كَقَوْلِهِ ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [الْقَمَرِ: ١٩] ، أَيِ: ابْتُدِئُوا بِهَذَا الْعَذَابِ فِي يَوْمِ نَحْسٍ عَلَيْهِمْ، وَاسْتَمَرَّ بِهِمْ هَذَا النَّحْسُ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حَتَّى أَبَادَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، وَاتَّصَلَ بِهِمْ خِزْيُ الدُّنْيَا بِعَذَابِ الْآخِرَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى﴾ [أَيْ] [[زيادة من أ.]] أَشَدُّ خِزْيًا لَهُمْ، ﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ أَيْ: فِي الْأُخْرَى [[في ت: "الآخرة".]] ، كَمَا لَمْ يُنْصَرُوا فِي الدُّنْيَا، وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ يَقِيهِمُ الْعَذَابَ وَيَدْرَأُ عَنْهُمُ النَّكَالَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ: بَيَّنَّا لَهُمْ [[في ت: "وسعيد بن جبير وغيرهم".]] .

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: دَعَوْنَاهُمْ.

﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ أَيْ: بَصَّرْنَاهُمْ، وَبَيَّنَّا لَهُمْ، وَوَضَّحْنَا لَهُمُ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ صَالِحٍ ﷺ [[في ت، س: "عليه السلام".]] ، فَخَالَفُوهُ وَكَذَّبُوهُ، وَعَقَرُوا نَاقَةَ اللَّهِ الَّتِي جَعَلَهَا آيَةً وَعَلَامَةً عَلَى صِدْقِ نَبِيِّهِمْ، ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ أَيْ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَرَجْفَةً وَذُلًّا وَهَوَانًا وَعَذَابًا وَنَكَالًا ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: من التكذيب والجحود.

﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا [وَكَانُوا يَتَّقُونَ] [[زيادة من ت، أ.]] ﴾ أَيْ: مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، لَمْ يَمَسَّهُمْ سُوءٌ، وَلَا نَالَهُمْ مِنْ ذَلِكَ ضَرَرٌ، بَلْ نَجَّاهُمُ اللَّهُ مَعَ نَبِيِّهِمْ صَالِحٍ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من ت، أ.]] بِإِيمَانِهِمْ، وَتَقْوَاهُمْ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ.

تفسير القرطبي

الجامع لأحكام القرآن - أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ يَعْنِي كُفَّارَ قُرَيْشٍ عَمَّا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ يَا مُحَمَّدُ مِنَ الْإِيمَانِ. "فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ" أَيْ خَوَّفْتُكُمْ هَلَاكًا مِثْلَ هَلَاكِ عَادٍ وَثَمُودَ. "إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ" يَعْنِي مَنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَإِلَى مَنْ قَبْلَهُمْ "أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ" مَوْضِعُ "أَنْ" نُصِبَ بإسقاط الخافض أي ب "أَلَّا تَعْبُدُوا" "و" قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً "بَدَلَ الرُّسُلِ" فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ" مِنَ الْإِنْذَارِ وَالتَّبْشِيرِ. قِيلَ: هَذَا اسْتِهْزَاءٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: اقرا بإرسالهم ثم بعده جحود وعناد.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ هُودٍ وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ "بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً" اغْتَرُّوا بِأَجْسَامِهِمْ حِينَ تَهَدَّدَهُمْ بِالْعَذَابِ، وَقَالُوا: نَحْنُ نَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الْعَذَابِ عَنْ أَنْفُسِنَا بِفَضْلِ قُوَّتِنَا. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا ذَوِي أَجْسَامٍ طِوَالٍ وَخَلْقٍ عَظِيمٍ. وَقَدْ مَضَى فِي [الْأَعْرَافِ [[راجع ج ٧ ص ٢٣٦ طبعه أولى أو ثانية.]]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَطْوَلَهُمْ كَانَ مِائَةَ ذِرَاعٍ وَأَقْصَرَهُمْ كَانَ سِتِّينَ ذِرَاعًا. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى رَدًّا عَلَيْهِمْ: "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً" وَقُدْرَةً، وَإِنَّمَا يَقْدِرُ الْعَبْدُ بِإِقْدَارِ اللَّهِ، فَاللَّهُ أَقْدَرُ إِذًا. "وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ" أَيْ بِمُعْجِزَاتِنَا يَكْفُرُونَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى، "فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً" هَذَا تَفْسِيرُ الصَّاعِقَةِ الَّتِي أَرْسَلَهَا عَلَيْهِمْ، أَيْ رِيحًا بَارِدَةً شَدِيدَةَ الْبَرْدِ وَشَدِيدَةَ الصَّوْتِ وَالْهُبُوبِ. وَيُقَالُ: أَصْلُهَا صَرَرٌ مِنَ الصِّرِّ وَهُوَ الْبَرْدُ [[الزيادة من اللسان عن ابن السكيت لأن هذا الكلام له.]] فَأَبْدَلُوا مَكَانَ الرَّاءِ الْوُسْطَى فَاءَ الْفِعْلِ، كَقَوْلِهِمْ كَبْكَبُوا أَصْلُهُ كَبَّبُوا، وَتَجَفْجَفَ الثَّوْبُ أَصْلُهُ تَجَفَّفَ. أَبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنَى صَرْصَرٍ: شَدِيدَةٌ عَاصِفَةٌ. عِكْرِمَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: شَدِيدُ الْبَرْدِ. وَأَنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ الْحُطَيْئَةِ:

الْمُطْعِمُونَ إِذَا هَبَّتْ بِصَرْصَرَةٍ ... - وَالْحَامِلُونَ إِذَا اسْتُودُوا عَلَى النَّاسِ

اسْتُودُوا: إِذَا سُئِلُوا الدِّيَةَ. مُجَاهِدٌ: الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ. وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: بَارِدَةٌ. وَقَالَهُ عَطَاءٌ، لِأَنَّ "صَرْصَرًا" مَأْخُوذٌ مِنْ صِرٍّ وَالصِّرُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْبَرَدُ»

كَمَا قال:

لها عذر كقرون النسا ... - ء رُكِّبْنَ فِي يَوْمِ رِيحٍ وَصِرْ

وَقَالَ السُّدِّيُّ: الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ. وَمِنْهُ صَرَّ الْقَلَمُ وَالْبَابُ يَصِرُّ صَرِيرًا أَيْ صَوَّتَ. وَيُقَالُ: دِرْهَمٌ صَرِّيٌّ وَصِرِّيٌّ لِلَّذِي لَهُ صَوْتٌ إِذَا نُقِدَ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: صَرْصَرٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الصِّرِّ وَهُوَ الْبَرْدُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ صَرِيرِ الْبَابِ، وَمِنَ الصَّرَّةِ وَهِيَ الصَّيْحَةُ. وَمِنْهُ ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩]. وَصَرْصَرٌ اسْمُ نَهَرٍ بِالْعِرَاقِ. "فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ" أي مشئومات، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةَ. كُنَّ آخِرَ شَوَّالٍ مِنْ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ إِلَى يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ وَذَلِكَ ﴿سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ [الحاقة: ٧] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا عُذِّبَ قَوْمٌ إِلَّا فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ. وَقِيلَ: "نَحِساتٍ" بَارِدَاتٍ، حَكَاهُ النَّقَّاشُ. وَقِيلَ: مُتَتَابِعَاتٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطِيَّةَ. الضَّحَّاكُ: شِدَادٌ. وَقِيلَ: ذَاتُ غُبَارٍ، حَكَاهُ ابْنُ عِيسَى. وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ:

قَدِ اغْتَدَى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ... - لِلصَّيْدِ فِي يَوْمٍ قَلِيلِ النَّحْسِ

قَالَ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُ: أَمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْمَطَرَ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَدَرَّتِ الرِّيَاحُ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ مَطَرٍ، وَخَرَجَ مِنْهُمْ قَوْمٌ إِلَى مَكَّةَ يَسْتَسْقُونَ بِهَا لِلْعِبَادِ، وَكَانَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ إِذَا نَزَلَ بِهِمْ بَلَاءٌ أَوْ جَهْدٌ طَلَبُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْفَرَجَ مِنْهُ، وَكَانَتْ طُلْبَتُهُمْ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ بَيْتِهِ الْحَرَامِ مَكَّةَ مُسْلِمِهِمْ وَكَافِرِهِمْ، فَيَجْتَمِعُ بِمَكَّةَ نَاسٌ كَثِيرٌ شَتَّى، مُخْتَلِفَةٌ أَدْيَانُهُمْ، وَكُلُّهُمْ مُعْظَمٌ لِمَكَّةَ، عَارِفٌ حُرْمَتَهَا وَمَكَانَهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالتَّيْمِيَّ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ خَيْرًا أَرْسَلَ عَلَيْهِمُ الْمَطَرَ وَحَبَسَ عَنْهُمْ كَثْرَةَ الرِّيَاحِ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ شَرًّا حَبَسَ عَنْهُمُ الْمَطَرَ وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ كَثْرَةَ الرِّيَاحِ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو "نَحْسَاتٍ" بِإِسْكَانِ الْحَاءِ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ نَحْسٍ الَّذِي هُوَ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ. الْبَاقُونَ: "نَحِساتٍ" بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ ذَوَاتُ نَحْسٍ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّحْسَ مَصْدَرٌ قَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] وَلَوْ كَانَ صِفَةً لَمْ يُضَفِ الْيَوْمَ إِلَيْهِ، وَبِهَذَا كَانَ يَحْتَجُّ أَبُو عَمْرٍو عَلَى قِرَاءَتِهِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَاتِمٍ. وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقِرَاءَةَ الثَّانِيَةَ وَقَالَ: لَا تَصِحُّ حُجَّةُ أَبِي عَمْرٍو، لِأَنَّهُ أَضَافَ الْيَوْمَ إِلَى النَّحْسِ فَأَسْكَنَ، وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ حُجَّةً لَوْ نَوَّنَ الْيَوْمَ وَنَعَتَ وأسكن، فقال: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ [القمر: ١٩] وَهَذَا لَمْ يَقْرَأْ بِهِ أَحَدٌ نَعْلَمُهُ. وَقَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَلَمْ يُسْمَعْ فِي "نَحْسٍ" إِلَّا الْإِسْكَانُ. قال الجوهري: وقرى في قوله ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ [القمر: ١٩] عَلَى الصِّفَةِ، وَالْإِضَافَةُ أَكْثَرُ وَأَجْوَدُ. وَقَدْ نَحِسَ الشَّيْءُ بِالْكَسْرِ فَهُوَ نَحِسٌ أَيْضًا، قَالَ الشَّاعِرُ:

أَبْلِغْ جُذَامًا وَلَخْمًا أَنَّ إِخْوَتَهُمْ ... طَيًّا وَبَهْرَاءَ قَوْمٌ نَصْرُهُمْ نَحِسُ

وَمِنْهُ قِيلَ: أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ. "لِنُذِيقَهُمْ" أَيْ لِكَيْ نُذِيقَهُمْ "عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الحياة الدنيا" أي العذاب بِالرِّيحِ الْعَقِيمِ. "وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى " أَيْ أَعْظَمَ وأشد. "وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ."

تفسير الطبري

جامع البيان في تأويل القرآن - الإمام أبو جعفر الطبري

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأنزلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤) ﴾

يقول تعالى ذكره: فإن أعرض هؤلاء المشركون عن هذه الحجة التي بيَّنتها لهم يا محمد، ونبهتهم عليها فلم يؤمنوا بها ولم يقروا أن فاعل ذلك هو الله الذي لا إله غيره، فقل لهم: أنذرتكم أيها الناس صاعقة تهلككم مثل صاعقة عاد وثمود.

وقد بيَّنا فيما مضى أن معنى الصاعقة: كلّ ما أفسد الشيء وغيره عن هيئته. وقيل في هذا الموضع عنى بها وقيعة من الله وعذاب.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ قال: يقول: أنذرتكم وقيعة عاد وثمود، قال: عذاب مثل عذاب عاد وثمود.

* *

وقوله: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾

يقول: فقل: أنذرتكم صاعقة مثل صاعقه عاد وثمود التي أهلكتهم، إذ جاءت عادا وثمود الرسل من بين أيديهم؛ فقوله"إذ" من صلة صاعقة. وعنى بقوله: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ الرسل التي أتت آباء الذين هلكوا بالصاعقة من هاتين الأمتين.

وعنى بقوله: ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ : من خلف الرسل الذين بعثوا إلى آبائهم رسلا إليهم، وذلك أن الله بعث إلى عاد هودا، فكذبوه من بعد رسل قد كانت تقدمته إلى آبائهم أيضا، فكذبوهم، فأهلكوا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ ... إلى قوله: ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ قال: الرسل التي كانت قبل هود، والرسل الذين كانوا بعده، بعث الله قبله رسلا وبعث من بعده رسلا.

* *

وقوله: ﴿أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ﴾

يقول تعالى ذكره: جاءتهم الرسل بأن لا تعبدوا إلا الله وحده لا شريك له.

قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأنزلَ مَلائِكَةً﴾ يقول جل ثناؤه: فقالوا لرسلهم إذ دعوهم إلى الإقرار بتوحيد الله: لو شاء ربنا أن نوحده، ولا نعبد من دونه شيئا غيره، لأنزل إلينا ملائكة من السماء رسلا بما تدعوننا أنتم إليه، ولم يرسلكم وأنتم بشر مثلنا، ولكنه رضي عبادتنا ما نعبد، فلذلك لم يرسل إلينا بالنهي عن ذلك ملائكة.

* *

وقوله: ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾

يقول: قال لرسلهم: فإنا بالذي أرسلكم به ربكم إلينا جاحدون غير مصدّقين به.

الآيات في نفس صفحة المصحف

سورة فصلت • الآية 12

فَقَضَىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَاتٍۢ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفْظًۭا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴿12﴾

سورة فصلت • الآية 13

فَإِنْ أَعْرَضُوا۟ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَٰعِقَةًۭ مِّثْلَ صَٰعِقَةِ عَادٍۢ وَثَمُودَ﴿13﴾

سورة فصلت • الآية 14

إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ قَالُوا۟ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةًۭ فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ﴿14﴾

سورة فصلت • الآية 15

فَأَمَّا عَادٌۭ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةًۭ ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴿15﴾

سورة فصلت • الآية 16

فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًۭا صَرْصَرًۭا فِىٓ أَيَّامٍۢ نَّحِسَاتٍۢ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْءَاخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ﴿16﴾

سورة فصلت • الآية 17

وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَٰعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴿17﴾

سورة فصلت • الآية 18

وَنَجَّيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ﴿18﴾

سورة فصلت • الآية 19

وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴿19﴾

سورة فصلت • الآية 20

حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَٰرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴿20﴾